البحر… لماذا ندير له ظهورنا؟
الشيخ نوح
شاعر وروائي موريتاني
إبان نشاط نظمه اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، هذا الأسبوع، قال وزير الثقافة والفنون والعلاقات مع البرلمان د. الحسين ولد مدو خلال كلمته لإطلاق برنامج "مرافئ الأدب"، وهو برنامج نصف شهري أطلقه الاتحاد "إن لموريتانيا مدنا ساحلية تدير ظهرها للبحر".
إنها جملة واحدة لكنها لامست سؤالا ثقافيا قديما.
إننا بلا شك أمة الصحراء بامتياز، تغنينا بكثبانها الممتدة إلى الأبد، ونسجنا عنها ألف حكاية، ورحلنا مع القوافل في المخيال الشعري حتى صارت الصحراء مرادفا للهوية.غير أن السؤال الذي طرح أكثر من مرة، وأعاد وزير الثقافة طرحه "ماذا عن البحر؟" يكشف هذا التناقض بين خريطتنا الجغرافية وخريطتنا الثقافية، فكيف يكون البحر حاضرا في الواقع غائبا في الثقافة والإبداع؟
إن من يطل من نوافذ بيوت نواكشوط ونواذيبو ويرهف سمعه قد يسمع هدير الأمواج ويلفحه نسيم البحر ، غير أن كتابنا وشعراءنا فيما يبدو يديرون ظهورهم له ولكل ذلك الصخب والنسيم والرمزية الهائلة.
صحيح أن الصحراء عندنا ليست مجرد جغرافيا، فهي ذاكرة ووجود وسردية تأسيسية، فقد نشأنا على سير الأبطال في الفضاء المفتوح، وعلى قصائد الملاحم التي تخلد ظهور الإبل أكثر من السفن، لذا صار البدوي القابع فينا يرى في الرمال امتدادا لذاته، بينما يظل البحر غريبا مهيبا وحتى مخيفا، وقد ربطناه بالظلمات والليل والرهبة، مستجلبين مجازات نبتت في فضاءات جغرافية أخرى، وتلقيناها دون تسييق أو تمحيص، رغم أن سواحلنا تمتد لأكثر من 700 كيلومتر.
لكن الجغرافيا لا تنتظر أحدا. فالمحيط الأطلسي يقرع أبواب مدننا كل صباح، يحمل في أمواجه تاريخا من الصيد والملاحة والرحلات الأفريقية العابرة، ويختزن أسرار الموانئ التي كانت محطة للتجارة واللقاء ونقاط التماس الحضاري والثقافي مع أمم أخرى. أليس من الظلم إذن أن نحرم الأجيال من هذا المخزون الرمزي؟ وأن نظل نكتب في دواويننا عن سراب الصحراء، ولا نلتفت إلى شراع سفينة تغادر الميناء، أو إلى صياد يعود بحكاية من قلب الموج؟
لقد حان الوقت لأدبنا اليوم أن يتهجى ويتجذر في معجم البحر وقاموس المرافئ، ولعل برنامج "مرافئ الأدب" الذي دشنناه في الاتحاد أكثر من مجرد تظاهرة نصف شهرية، لأنه اعتراف بأن ثمة فضاءات ثقافية ظلت مهمشة، وحان الوقت لاستثمارها وإدخالها في الدورة الإبداعية.
إن الطاقة التخييلية التي يثيرها فينا البحر، بدواراته وأمواجه وزرقته وحكاياته، ستفتح بكل تأكيد عوالم جديدة من التصوير الشعري والانزياح الفني، وستكون أرضية خصبة لنمو أشجار إبداعية جديدة، فالمد والجزر كناية عن تقلبات النفس، والسفن التي تغيب في الأفق استعارات للرحيل، والأصداف التي تحمل همس المحيط رموز للذاكرة وكنانيش لوصايا الأسلاف وأراشيف لتجارب الغابرين.
أما في السرد فيمكن لمدننا الساحلية أن تصبح فضاءات روائية غنية، تحمل في طياتها صراعات الصيادين وحكايات الغرقى وأسرار التجار وعزلة المنارات، فهناك حكايات كثيرة في مياهنا لم تروَ بعد.
إن الأوان قد آن لكي ننظر إلى البحر بوصفه امتداد لهويتنا وليس حدودا لها، فاالبحر هو بوابتنا الكبرى على العالم.
إن كتابتنا القادمة بهذا المعنى بحاجة إلى رذاذ الملح كما تحتاج إلى رمال الصحراء، وربما في هذا اللقاء بين الرمل والماء نكتشف ملامح ثقافتنا الحقيقية؛ ثقافة الضفتين.
_________
تنشر هذه الزاوية في جريدة "الشعب" كل خميس