كلمة الأستاذ أحمد الوالد رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين في ذكرى رحيل الشاعر محمد ولد الميداح الملقب "دمبه" رحمة الله عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين،
السيد ممثل وزير الثقافة المكلف بمهة في الوزارة
السيد مدير المعهد التربوي الوطني؛
أيها السادة الأدباء والمثقفون والإعلاميون؛
أسرة الفقيد الغالية، سدنة المجد وورثة الإبداع؛
أيها الحضور الكريم؛
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته،
نجتمع اليوم في هذه الأمسية التأبينية لنستحضر سيرة رجلٍ ترك أثرا ممتدا في الوجدان، وصوتا حاضرا في ذاكرة كل من عرفه أو جاوره أو اقترب من تجربته؛ إنه المرحوم محمد ولد أحمد ولد الميداح، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.
لقد كان الفقيد واحدا من أولئك الرجال الذين يصعب اختصارهم في كلمات، لأن حضورهم أكبر من اللغة، وأعمق من أن تحيط به العبارات. فقد عرفناه صاحب خُلق رفيع، ووجه بشوش، ووفاء نادر، كما عرفناه محبا للأدب والثقافة، قريبا من أهل الفكر والإبداع، يحمل في داخله روحا إنسانية شفافة جعلته محل تقدير ومحبة من مختلف الأوساط.
إن اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، وهو يشارك اليوم في تأبين هذا الرجل الذي كان أحد أساطينه، ليستحضر مسيرة من العلاقات الطيبة، والمواقف النبيلة، والذكريات التي ستظل باقية في قلوب من عرفوه.
لقد كان الراحل من أولئك الذين يتركون أثرهم بهدوء، دون ضجيج، ويمنحون حضورهم للناس بمحبة وتواضع وصفاء. ولذلك فإن الحديث عنه يأتي من باب الواجب، ومن باب الوفاء أيضا؛ وفاء لرجل استحق أن يذكر بخير، وأن يستعاد حضوره في مثل هذه اللحظات الإنسانية النبيلة.
أيها الحضور الكريم،
إن الموت حقيقة لا مفر منها، لكن الناس يتفاوتون فيما يتركونه خلفهم من أثر وذكرى. وهناك رجال يرحلون، لكنهم يبقون في الذاكرة بما قدّموه من أخلاق ومواقف وعلاقات إنسانية صادقة، وكان الفقيد – رحمه الله – من هذا الصنف الكريم.
أيها الأحبة
نقف اليوم، والذكرى تفتح في الروح نوافذ الشجن، وفي القلب لوعة لا يطفئها إلا الصبر، وفي الذاكرة طيفا يرفض الغياب. نجتمع لنؤبن رجلاوكان أمة، ونستحضر وطنا تجسد في رجل، وتاريخا كان يمشي بيننا على قدمين، ونبعا من العطاء الثر انحبس ماؤه عن دنيانا، ليفيض -بإذن الله- في رياض الجنان.
إننا في اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، ونحن نحيي هذه الذكرى السنوية لرحيل أحد أساطيننا الكبار، المرحوم محمد ولد أحمد ولد الميداح (دمب)، نشعر بأن "الثلمة" التي تركها في جدار كياننا الثقافي ما زالت شاخصة، وأن الفراغ الذي خلفه برحيله الهادئ الرزين يتسع ليمتد على مساحات الوطن التي أحبها وأحبته
جرحنا في الاتحاد غائرٌ لا يندمل؛ فقد فقدنا ركنا شديدا، وأديبا كان يطوع اللغة لتكون بلسما، ويصوغ المعاني لتبقى وشما في ذاكرة الأدب الشنقيطي، كان شعره ونثره مرآة لروحٍ شفافة، لم يكن الأدب عنده ترفا لغويا، وإنما كان رسالة وجدانية تربط الأرض بالسماء، والقلب بالجمال، فغدا حرفه جسرا بين الضمير والجمهور.
وأما في رحاب الإعلام فقد فقدت الشاشة بريق الوقار، وصمت المذياع عن نبرةٍ كانت تجمع بين الهيبة والأمانة.
غاب الإعلامي الذي لم يكن يطارد الأضواء بضجيج الزيف، بل كانت الأضواء تقتفي أثره في سبل الحقيقة.
لقد ترك "دمب" في منابر الرأي فراغاً لا يملؤه إلا صدى صوته الرصين، ومهنيته التي ستظل مدرسةً تلهم الأجيال في احترام المشاهد وقدسية الرسالة.
وفي فضاء الثقافة
رحل حارسُ الهوية، وجسرُ التواصل الحي بين أصالة "الگاف" و"الطلعة" ومعاصرة الفكر النقدي، لقد كان الفقيد موسوعةً تمشي بين الناس، يحمل في صدره كنوزا، ويحمي بوعيه هويتنا من التيه، برحيله، سقطت نخلة وارفة كانت تظلل المثقفين بفيئها، وتجمع شتات الرؤى بابتسامتها الساحرة.
وفي ميدان السياسة
لم يكن الراحل من طلاب المنافع الزائلة، بل كان رجل المبادئ الراسخة والوفاء النادر؛ يمارس السياسة بعفة اللسان، وطهارة اليد، وهدوء الواثق الذي يدرك أن المواقف هي ما يبقى، وأن الزبد يذهب جفاءً.
في رسالة التربية والتعليم
وهنا مكمن الفقد الأوجع؛ فقد كان معلماً بالقدوة قبل الكتاب، ومربياً بالأثر قبل الخبر، غرس في الأجيال التي مرت به قيم الاستقامة، وعلمهم أن الحرف أمانة، وأن العلم لا يثمر إلا إذا سُقي بماء الخلق الرفيع.
سيفتقده الطلاب الذين رأوا فيه الأب الحاني قبل الأستاذ الملقن.
أيها الجمع الكريم..
إن عزاءنا في "دمب" هو هذا الأريج الطيب الذي يفوح مسكا كلما ذكر اسمه في المجالس، وهذا الإجماع الوطني الذي لا يناله إلا الأتقياء الأنقياء؛ إنه لم يمت من ترك خلفه هذا الإرث من المحبة، وهذا الكم من الاحترام والتقدير.
اللهم اغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم أبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأنزله منازل الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
أحمد الوالد
رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين
