نص كلمة وزير الثقافة في إطلاق فعاليات تخليد الذكرى الخمسين لتأسيس اتحاد الأدباء

  • Posted on: 23 February 2026
  • By: admin2

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين 

السيد رئيس اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين؛
أهل الأدب والفكر والبصيرة؛
أيتها السيدات والسادة؛
أيها الحضور الكريم؛

في هذه الليالي التي تتهادى بأنوار الطمأنينة، وينساب الصفاء رقراقا في أعماق النفوس؛ نلتقي  حول الكلمة، نستنطقها، ونصغي إلى ما تختزنه من حياةٍ ومعنى، وما تحمله من أثرٍ يتجاوز اللحظة إلى الامتداد.
لهذا الزمن المبارك نكهته التي لا تخطئها الأرواح؛ زمنٌ يخفّ فيه أجيج الصخب، وتعلو فيه همسات التأمل، ويستعيد فيه الإنسان قدرته على الإصغاء لما يسكن أعماقه. وتتفتح فيه ينابيع التعبير، ويغدو الحرف أكثر نقاءً، وأكثر قدرةً على ملامسة جوهر التجربة الإنسانية في أصفى تجلياتها.
في هذا الشهر الذي تتزكى فيه النفوس، وتتجدد معاني الرحمة والبذل، تكتسب الكلمة إشراقًا خاصًا؛ إذ تنبع من وجدانٍ أكثر صفاءً، وتُكتب بروحٍ أكثر قربًا من المعنى، وتلامس في الإنسان أعمق مناطق الإحساس بالجمال والسمو. وهكذا يتقاطع إشراق الروح مع إشراق الحرف، فيغدو الإبداع امتدادًا لذلك الصفاء الداخلي الذي يمنح الأشياء معناها الأعمق.

أيها الحضور الكريم؛

الكلمة حين تبلغ تمامها تصبح ذاكرةً حيّة، تحفظ ما يتبدد، وتستبقي ما يكاد يضيع، وتعيد تشكيل التجربة في هيئةٍ قابلة للبقاء. وبها تتواصل الأجيال، ويتشكل الوعي، وتتراكم الخبرة الإنسانية في سجلٍ مفتوح على الدوام. إنها الوعاء الذي يحمل وجدان الأمة، والنبض الذي يرافق تحوّلها، والمرآة التي ترى فيها ذاتها وهي تعبر الزمن.
ولذلك ظل الاحتفاء بالأدب عنايةً عميقة بما يكوّن الإنسان من الداخل؛ بما يمنحه الحساسية للجمال، والقدرة على الفهم، والاستعداد الدائم للبحث عن المعنى في تفاصيل الحياة ومساراتها المتشابكة.

أيتها السيدات والسادة؛

لقد راكمت الحياة الثقافية عموما في موريتانيا تجربةً ثريةً من العطاء والإيمان برسالة الحرف، وكان اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين من أبرز محطات تلك الرحلة المضيئة؛ فكان ملتقى للأصوات المتعددة، وفضاءً تفاعلت فيه التجارب، واتسعت فيه دوائر التعبير، وتواصلت عبره الأجيال في مسارٍ متصل من المعنى والإبداع.
وخلال خمسة عقودٍ من العمل الدؤوب، تكرّست مكانة الاتحاد بوصفه ذاكرةً ثقافيةً حيّة، وحاضنةً للمعنى، ومساحةً يلتقي فيها الاجتهاد الفردي بالهمّ الجماعي، لتظل الكلمة حاضرةً في وجدان المجتمع، نابضةً في لغته، متجددةً في رؤيته.

أيها الجمع الكريم؛
إن ازدهار الفعل الثقافي يجد جذوره في وعيٍ وطنيٍّ يُدرك قيمة الفكر، ويمنح الإبداع مكانه اللائق في مسيرة البناء الشامل. وقد تعزز هذا الوعي من خلال سياساتٍ عمومية ترعى الإنتاج الأدبي، وتدعم المبدعين، وتفتح أمام الكلمة آفاقًا أوسع للحضور والتأثير، إيمانًا بأن الثقافة عمقٌ من أعماق القوة الوطنية، وأن الوعي المستنير هو الضمان الأرسخ لاستمرار التجدد الحضاري.
وفي هذا السياق تتواصل الجهود الرسمية الرامية إلى تمكين الأدب في فضائه الرحب، وتوسيع دائرة الفعل الثقافي، وترسيخ حضور المبدعين في المشهد العام بما يليق بدورهم في صياغة الوجدان الجمعي وتعميق الإحساس بالهوية.

أيها الحضور الكريم؛
يحتل المجال الثقافي والأدبي مكانةً متقدمة في الرؤية الوطنية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، إدراكًا لما للثقافة من دورٍ محوري في بناء الإنسان وترسيخ الوعي وتعزيز تماسك المجتمع وصيانة هويته الحضارية. وقد غدت هذه العناية خيارًا استراتيجيًا واضح المعالم، تعمل حكومة معالي الوزير الأول السيد المختار ولد اجاي على تجسيده واقعًا ملموسًا، من خلال ترجمة هذه الرؤية إلى سلسلةٍ متواصلة من البرامج والسياسات الداعمة للإبداع، والحاضنة للمبدعين، والرامية إلى ترسيخ حضور الأدب والثقافة في صميم الحياة العامة بوصفهما رافدًا أساسيًا من روافد التنمية الشاملة وبناء المستقبل.

أيها الحضور الكريم؛
إن حيوية المشهد الأدبي اليوم، وتنامي حضور الأصوات الجديدة، وإسهام المرأة الكاتبة بوعيها وإبداعها، كلها علامات على أن جذوة التعبير متقدة، وأن الكلمة ما تزال قادرة على أن تولد في كل زمنٍ بصيغٍ جديدة، حاملةً معها ما يليق بروح العصر دون أن تنفصل عن جذور الذاكرة.
وإن أمسيتكم الليلة “مرافئ الحروف.. مائة يوم في خدمة الإبداع” تمثل صورةً بهيةً من صور الحراك الثقافي المتجدد، ودليلًا ناطقًا على ما يتمتع به العمل الأدبي من حيويةٍ قادرة على الاستمرار والعطاء. إنها مبادرة تحمل روح الوفاء للكلمة، والانحياز الصادق إلى جمال التعبير وعمق المعنى، وتفتح أمام المبدعين فضاءً رحبًا للتلاقي والتجدد. ومن هذا المقام، نتوجه بخالص الشكر والتقدير إلى مكتب اتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين على هذه الحيوية المشهودة، خدمة الإبداع وأهله، مع أصدق التمنيات له بدوام المبادرة، ومزيدٍ من العطاء الذي يثري المشهد الثقافي ويزيده إشراقًا واتساعًا.. وفي الختام؛ نسأل الله أن يبارك كل جهدٍ يُبذل في خدمة الحرف، وأن يظل الإبداع في وطننا نورًا يتجدد، وحكمةً تتسع، وجمالًا يقود إلى مزيدٍ من الفهم والسمو. وأن تبقى الكلمة الطيبة ممتدة الأثر، عميقة الجذور، سامقة الحضور، ما امتد في الإنسان شوقٌ إلى المعنى، وتطلعٌ إلى الجمال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشر بتاريخ: 23-02-2026 13:57