مقامات الهمذاني والحريري.. قصة فن أبهر الأدباء على امتداد ألف عام
قال لي صديقي وهو يحاورني إن المقامات صعبة اللغة، وكذلك الكتابة عنها بأسلوبها، ابتسمت، فهذا اللون الأدبي وافق روح عصره، ثم لاح لي صاحب القنديل – يحيى حقي – يقول "كان علينا في فن القصة أن نفك مخالب شيخ عنيد شحيح، حريص على ماله أشد الحرص، تشتد قبضته على أسلوب المقامات.. أسلوب الزخارف والبهرجة اللفظية والمترادفات"، وكدت أنصرف عن أصحاب المقامات بعد الهمذاني، حتى كان ما لم أتوقعه!.
وأنا بين النائم واليقظان، زارني الحريري، طلب إليّ ألّا تفتر عزيمتي، وأن أكتب عنه أسوة بالهمذاني، فوعدته خيرا، وما زال يستنجزني الوعد حتى أبصرت هذه الأسطر النور، وهي تدور في ساحة الحريري صاحب اليد الطولى في المقامات.
فن وإلهام
وضع الهمذاني مقاماته أواخر القرن الرابع الهجري، ومن بعده حاول أناس أن يترسّموا خطاه، وأن يتقلدوا منهجه، من هؤلاء ابن نباتة السعدي (ت 405هـ)، وكان معاصرا للهمذاني، وابن ناقيا البغدادي (ت 485هـ)،.
ثم جاء الحريري فكان علامة فارقة في هذا الفن الأدبي الخاص، وواسطة عقد المقامات الأدبية في الثقافة العربية، ولولا استهلاك مقولة ابن رشيق القيرواني في أبي الطيب المتنبي، لقلت "ثم جاء الحريري فملأ الدنيا وشغل الناس"!
راجت مقامات الحريري خلال مطالع القرن السادس، وفي مقدمتها يقول "قد جرى ببعض أندية الأدب – الذي ركدت في هذا العصر ريحه، وخبت مصابيحه – ذكر المقامات التي ابتدعها بديع الزمان وعلّامة همذان، رحمه الله.. فأشار من إشارته حكم وطاعته غنم إلى أن أنشئ مقامات أتلو فيها تلو البديع، وإن لم يدرك الظالع شأو الضليع“.
أحكم الحريري الصنعة في مقاماته وأغفل التسلسل الجغرافي أو أسقطه من حساباته متعمّدا
وأضاف بعد فقرات معدودة "هذا مع اعترافي بأن البديع – رحمه الله – سبّاق آيات وصاحب غايات، وأن المتصدي بعده لإنشاء مقامة – ولو أوتي بلاغة قُدامة – لا يغترف إلا من فَضالته، ولا يسري ذلك المسرى إلا بدلالته".
ويذكر ابن خلكان واقعة غريبة، تحيلنا في بعض مشاهدها إلى أبي علي القالي (ت 356هـ) في الأندلس، وما كان من حصره وانحباس قوله، مما جعله مضغة الأفواه يومها، وارتفاع شأن منذر بن سعيد البلوطي (ت 355هـ).
قال صاحب وفيات الأعيان "ورأيت في بعض المجاميع أن الحريري لما عمل المقامات كان قد عملها أربعين مقامة، وحملها من البصرة إلى بغداد وادّعاها، فلم يصدقه في ذلك جماعة من أدباء بغداد، وقالوا: إنها ليست من تصنيفه، بل هي لرجل مغربي من أهل البلاغة مات بالبصرة ووقعت أوراقه إليه فادّعاها؛ فاستدعاه الوزير إلى الديوان وسأله عن صناعته، فقال أنا رجل منشئ، فاقترح عليه إنشاء رسالة في واقعة عيّنها، فانفرد في ناحية من الديوان، وأخذ الدواة والورقة ومكث زمانا كثيرا، فلم يفتح الله سبحانه عليه بشيء من ذلك، فقام وهو خجلان".
وكان في جملة من أنكر دعواه في عملها أبو القاسم علي بن أفلح الشاعر، فلمّا لم يعمل الحريري الرسالة التي اقترحها الوزير أنشد ابن أفلح، وقيل إن هذين البيتين لأبي محمد ابن أحمد المعروف بابن جكينا الحريمي البغدادي الشاعر المشهور:
شَيْخٌ لَنَا مِنْ رَبِيعَةَ الْفَرَسِ *** يَنْتِفُ عُثْنُونَهُ مِنْ الْهَوَسِ
أَنْطَقَهُ اللهُ بِالمشَانِ كَمَا *** رَمَاهُ وَسْطَ الْدِّيوَانِ بِالْخَرَسِ
وكان الحريري يزعم أنه من ربيعة الفرس، وكان مولعا بنتف لحيته عند الفكرة، وكان يسكن في مشان البصرة (المشان ضاحية من ضواحي البصرة)، فلما رجع إلى بلده عمل عشر مقامات أخر وسيّرهن، واعتذر من عيه وحصره في الديوان بما لحقه من المهابة“.
وبخصوص هذا الخبر، لا يخفى على القارئ العزيز أن "المعاصرة حجاب"، كما قال ابن رشيق القيرواني، ومن أقوالهم كذلك "المعاصرة تمنع المناصرة".
كُتب لمقامات الحريري من الرواج ما لم يُكتب لغيرها؛ ففي معجم الأدباء يقول ياقوت الحموي "لقد وافق كتاب المقامات من السعد ما لم يوافق مثله كتاب عرفته"
رواج مقامات الحريري
أحكم الحريري الصنعة في مقاماته، وأغفل التسلسل الجغرافي أو أسقطه من حساباته متعمّدا، كما اهتم بمعالم البناء القصصي أكثر من سلفه، وحرص على تثبيت شخصيتي الراوي والبطل في كل مقامة، ووظّف التسلسل المنطقي في المراحل العمرية لهما، وختم حياة بطله المكدي بالتوبة، وهذا ما لا نجده عند الهمذاني.
وشاء ربك أن يُكتب لمقاماته من الرواج ما لم يُكتب لغيرها؛ ففي معجم الأدباء يقول ياقوت الحموي "لقد وافق كتاب المقامات من السعد ما لم يوافق مثله كتاب عرفته.. ثم رزقت (مقامات الحريري) مع ذلك من الشهرة وبعد الصيت والإتقان في استحسانها من الموافق والمخالف ما استحقت وأكثر".
تصميم مولد بالذكاء الاصطناعي يحاكي مشهدا من مقامات الحريري حيث يقف أبو زيد السروجي متحدثا وسط جمع من الناس (الجزيرة)
في المشرق العربي، درس ابن الخشاب (ت 567هـ) مقامات الحريري، وكتب رسالة عنوانها الاعتراض على الحريري في مقاماته، وردّ عليه ابن بري (ت 582هـ) برسالة عنوانها الانتصار للحريري، ثم جاء من بعدهما عبد اللطيف البغدادي (ت 629هـ)، ووضع كتابا عنوانه الانتصاف بين ابن بري وابن الخشاب في كلامهما على المقامات؛ فكانت هذه الأنشطة التفاعلية من العلامات الدالة على أهمية الحريري في دنيا المقامات.
ارتحل الشريشي من الأندلس إلى بغداد لسماع المقامات في موطنها الأصلي، وقرأ كل كتاب شرحها، ثم قارن – على طريقة رجال الحديث – بين مختلف الروايات التي وقعت بين يديه من روايات الأندلسيين
والحريري أوّل شرّاح مقاماته، من بعده شرحها خلق كثير، مثل ابن الأنباري (ت 577هـ)، وأبي الفتح المطرزي (ت 610هـ)، وأبي البقاء العُكبري (ت 616هـ)، وأبي العباس الشريشي (ت 619هـ)، بل إن حاجي خليفة في كتابه كشف الظنون يحصي أكثر من 35 شارحا لهذه المقامات.
في شرح الحريري مقاماته ما يؤكد مقالة صديقي – الواردة في صدر هذا المقال – المتعلقة بصعوبة المقامات ولغتها المتكلّفة وألغازها وأحاجيها ذات الصلة، لكنها ابنة عصرها، وتحمل في الوقت ذاته ثروة لغوية يمكننا تطويعها لخدمة أغراضنا الحياتية.
من الأندلس، ارتحل الشريشي إلى بغداد لسماع المقامات في موطنها الأصلي، وقرأ كل كتاب شرحها، ثم قارن – على طريقة رجال الحديث – بين مختلف الروايات التي وقعت بين يديه من روايات الأندلسيين، أمثال ابن جبير والخُشني وغيرهما، ثم اتفق أن نظر في شرح الفنجديهي؛ فأعاد كتابة شرحه مرة أخرى، ودرّسه في مرسية؛ فجاء شرحه أكمل الشروحات وأتقنها.
في القرن السادس الهجري، نلاحظ أن الإمام الغزالي (ت 505هـ)، وعبد الكريم السمعاني (ت 562هـ) وضعا مقامات العلماء بين أيدي الخلفاء والأمراء، وقد مرّ معنا آنفا أن الزمخشري وظف المقامة بمعناها الوعظي على المستويين الديني والخلقي، ويمكن لمن شاء أن ينظر في "أطواق الذهب"، فلم يجعل لها راويا أو بطلا، وإنما مناجاة أو حوارا فرديا (مونولوغ (Monologue)).
وقد عارضها شريف الدين عبد المؤمن الأصفهاني بكتاب عنوانه "أطباق الذهب"، وليس لهما من المقامات إلا الاسم، ولا تمتّ للقصّة بوشيجة، وسيكثر ذلك في الأندلس، ثم جاء شهاب الدين يحيى السهروردي (ت 587هـ) صاحب مقامات الصوفية، وترك ابن الجوزي (ت 597هـ) عددا من المقامات الوعظية.
وعلى ذكر "أطواق الذهب"، فإن أمير الشعراء أحمد شوقي سيكتب مجموعة مقالات بعنوان "أسواق الذهب"، ليست بمقامات، لكنها على طريقة الزمخشري في أطواقه، وتضم مجموعة مقالات مسبوكة اللفظ محبوكة المعنى.
في القرن السابع الهجري، نجد ابن عفيف التلمساني (ت 688هـ) صاحب مقامة العشاق، وفي القرن الثامن الهجري، نقف على المقامات الزينية لابن الصيقل الجزري البغدادي (ت 701هـ)، وكان راوية مقاماته يدعى القاسم بن جريال، أما بطلها فهو أبو نصر المصري.
يوجد خيط رفيع بين الحقيقة والخيال، بين التأريخ والتخييل، مما يثير جملة من التساؤلات الوجيهة، أحدهما يدور حول شخصية بطل المقامة، وإذا ما كان حقيقيا من بني الإنس أو مصنوعا من بني الخيال؟
يعترف ابن الصيقل في مقدمة عمله بارتفاع كعب الحريري، يقول "ومع تيقنك أن الحريري ممن خلب ندي النباهة بسنان لسانه، وحلب ثدي البداهة ببنان تبيانه، وجذب غرر البلاغة بنواصيها، وجدب غرر مفاصل الفصاحة ومقاصيها، فأنّى يطير مع الجدل الجراد، أم كيف يجلي المصلي وقد بزه المجلي الجواد، فما أنا ممن ينازل شجعان أسجاعه، ويطاول ما زان أوزان اختراعه، ويعتلي بكاره ويقاوم، ويجتلى إبكاره وينادم“. وقد ألّف ابن الوردي (ت 749هـ) مقامات، منها "رسالة النبأ عن الوبأ".
وفي القرن التاسع الهجري، وضع السيوطي (ت 911هـ) مقاماته وراويها هاشم بن القاسم، وكذلك فعل معاصره أحمد بن محمد القسطلاني (ت 923هـ)، ثم مقامات الشهاب الخفاجي (ت 1069هـ)، وعبد الله بن الحسين بن ماري البغدادي السويدي (ت 1174هـ) صاحب مقامات الأمثال السائرة، ومقامات الشيخ حسن العطار (ت 1180هـ)، وكذلك شمس الدين محمد القواس الحلبي (ت 1204هـ)، وبعض هذه المقامات ما زالت مخطوطة.
بين التأريخ والتخييل
يوجد خيط رفيع بين الحقيقة والخيال، بين التأريخ والتخييل، مما يثير جملة من التساؤلات الوجيهة، أحدهما يدور حول شخصية بطل المقامة، وإذا ما كان حقيقيا من بني الإنس أو مصنوعا من بني الخيال؟ أيدخل في عداد الشخصيات؟ أم في عداد الشّخوص مثل بشر بن عوانة العبدي وخولة بنت الأزور وشيرلوك هولمز والدكتور رفعت إسماعيل؟
باستحضار مبدأ "مصائب قوم عند قوم فوائد"؛ فإن الوهم الذي وقع فيه ابن الشجري ينم على نجاح الهمذاني، إذ انطلت حيله على المتلقّي وخفي عليه وجه التفرقة بين الواقع والخيال، وقد حاول الرجل تسويق بطله على أنه شخص حقيقي، وذلك بتطلب سبل الصدق الفني، فزعم أبو الفتح الإسكندري في المقامة البلخية أنه رجل قرشي النسب، وفي ست مقامات يخبرنا أنه إسكندري المنبت، وأن له صاحبة وولدا، وقد تنكّر له الدّهر وعضه الفقر، وكاد يحقق البديع مبتغاه، لولا شهرة بطله وراويته، فإن اسميهما أكثر جريانا على الألسن من بشر بن عوانة العبدي.
والراجح لدى العلماء أن بطل مقامات الهمذاني خيالي بامتياز، وذهب بعضهم إلى أنه استلهم اسم راويته شخصين معاصرين له ومعلومين في زمنه؛ عيسى بن دأب وهشام الكلبي.
أما الحريري، فلم يُعوزنا إلى التّكهن بخصوص بطله وراويته (أبو زيد السروجي)؛ فقد أخبرنا أنهما من صنع خياله، ومع ذلك نقل ابن خلكان عن جمال الدين القِفطي (ت 646هـ) صاحب إنباه الرواة على أنباه النحاة "أن أبا زيد السروجي اسمه المطهّر بن سلار، وكان بصريا نحويا لغويا، صحِب الحريري، واشتغل عليه بالبصرة وتخرج به“.
ومعنى ذلك أن بطل مقامات الحريري شخصية حقيقية، أو يحمل بعض الملامح الحقيقية، ولا يقدح ذلك في الحريري، ومن المعلوم أن الشّخوص الأدبية تجمع بين الواقع والخيال، فلا يستبعد أن يكون ذلك كذلك.
واسم المطهر هذا يحيل شكليا على أبي المطهر الأزدي، صاحب كتاب حكاية أبي القاسم البغدادي، وهو كتاب يسرد – في قالب قصصي فريد – أحداث ليلة واحدة من ليالي مدينة السلام، بما فيها من مظاهر متباينة، قيل إن الأزدي هذا أول من ابتكر المقامة، فاهتبل البديع السانحة ونسج على منواله، لكنه قول لا دليل ينهض به.
ونقرأ عند ابن خلكان "وأما تسمية الراوي لها بالحارث بن همام؛ فإنما عنى به نفسه، هكذا وقفت عليه في بعض شروح المقامات، وهو مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم (كلكم حارث وكلكم همام)؛ فالحارث الكاسب، والهمام الكثير الاهتمام، وما من شخص إلا وهو حارث وهمام، لأن كل واحد كاسب ومهتم بأموره".
وما تزال الإشكالية قائمة بخصوص معرفة ماهية بطل مقامات الهمذاني، وقد أورد الثعالبي أن أسباب بديع الزمان اتصلت بأبي دلف الخزرجي، وكانا من رواد مجلس الصاحب ابن عباد.
يستنتج الدكتور خفاجة الوجه الحقيقي لأبي الفتح الإسكندري، فيقول "ورأيي الذي أذهب إليه اليوم هو أن أبا الفتح إنما هو شخصية تاريخية معروفة في عصر البديع، وهو أبو دلف الخزرجي وحده"
وانبرى الدكتور محمد عبد المنعم خفاجي (1915-2006) في وضع كتاب صغير الحجم عظيم الفائدة، عنوانه أبو الفتح الإسكندري بطل مقامات الهمذاني وشخصيته المجهولة، يؤكد في تصدير مقتضب "وفي هذا الكتاب درست هذه القضية من مختلف وجوهها، أبديت الرأي الحاسم فيها، وهو ما أعتز به، وأعتبره الحل الأول والأخير في هذه المشكلة، التي استعصى على الأجيال حلها".
فما النتيجة التي توصل إليها؟ يؤخر خفاجي النتيجة تشويقا للقارئ، وفي الفصل الثالث من كتابه يقطع بأن ابن دريد ليس مبتكر فن المقامات، مفنّدا ادعاءات الدكتور زكي مبارك.
وفي الباب الثاني من الكتاب ذاته، يؤكد خفاجي أن أبا الفتح الإسكندري ليس شخصية أسطورية، ويفصّل القول في الإسكندريّة، يقول "فإذا رجعنا إلى ياقوت وجدناه يذكر أن الإسكندر بنى ثلاث عشرة مدينة سماها كلها باسمه، ثم تغيرت أسماؤها بعده؛ فمنها إسكندرية مصر، والإسكندرية التي صار اسمها سمرقند، والتي صارت مرو، والتي سميت بعد باسم بلخ، وإسكندرية الأندلس التي على النهر الأعظم – نهر إشبيلية – وهي التي رجحها محمد عبده لوصف البديع بأنها من الثغور الأموية… إلا أني وجدت رحالة عربيا في القرن الرابع، وهو أبو دلف (يقصد: أبا دلف الخزرجي) يذكر مدينة المنصورة عاصمة السند، ويقول عنها: إن الخليفة الأموي مقيم بها".
وفي استطراد سريع، فإن أمبرتو إيكو ولد في مدينة أليساندريا (Alessandria) التي تقع شمالي إيطاليا، وتترجم في العربية إلى الإسكندرية.
بالعودة إلى ما نحن بصدده، وبعد مقارنة آراء عدد من الباحثين، يستنتج الدكتور خفاجة الوجه الحقيقي لأبي الفتح الإسكندري، فيقول "ورأيي الذي أذهب إليه اليوم هو أن أبا الفتح إنما هو شخصية تاريخية معروفة في عصر البديع، وهو أبو دلف الخزرجي وحده".
ويضيف بطمأنينة وثقة لا مزيد عليهما "وهذا الرأي لا يسبقني فيه باحث، وبه ينفتح الباب أمامنا لفهم كثير من حقائق الأدب في القرن الرابع".
ويسوق على ذلك ما يراه الدليل الناصع، يقول "ودليلنا عليه هو ما قاله الثعالبي في يتيمة الدهر، قال: أنشدني بديع الزمان لأبي دلف:
وَيْحَكَ هَذَا الْزَّمَانُ زُورُ *** فَلَا يَغُرَّنَكَ الْغُرُورُ
لَا تَلْتَزِمْ حَالَةً وَلَكِنْ *** دُرْ مَعَ الْزَّمَانِ كَمَا يَدُورُ
ومن هذا النص نعرف الحقائق الآتية:
أولا: أنشد البديعُ الثعالبيَّ شعرًا لأبي دلف.
ثانيا: وهذا الشعر نفسه نسبه البديع إلى في مقاماته إلى أبي الفتح؛ فتكون النتيجة هي أن أبا الفتح هو نفسه أبو دلف بإقرار البديع.
ثالثا: كان البديع راوية لشعر أبي دلف، ويبدو لي أن البديع كان ينزل أبا دلف من نفسه منزلة الأستاذ والمعلم".
لم يكتف خفاجي بما سبق، فإذا به يردف باستنتاج آخر، يقول "وإذن يكون أمامنا رأي جديد نجزم به، هو أن البديع حين كتب مقاماته اختار أبا دلف أستاذه وصديقه ومعاصره بطلا للمقامات، وكنّى عنه بأبي الفتح، وكان أبو دلف أروع نموذج ساساني يصلح بطلا للمقامات، لأن حياته وشخصيته وتجاربه مطابقة تمام المطابقة للنموذج الذي صوره البديع في المقامات في شخص أبي الفتح الإسكندري، ولأن شهرة وتجارب أبي دلف كانت تصلح معينا يستقي منه البديع كلّ ما يريد أن يصور به أبا الفتح، وذلك ما قد كان".
ونجد ترجمة مقتضبة لأبي دلف الخزرجي في كتاب الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، وقد نقل المؤلف بعض أبيات يتيمة الدهر، فإذا عدنا للدكتور خفاجة رأينا أنه فصل القول في رحلات الخزرجي، وربط بينها وبين المادة التاريخية المذكورة في مقامات الهمذاني.
على خطى المقامات
وفي القرن السادس الهجري، ظهرت مقامات يحيى بن سلامة الحصكفي (ت 553هـ)، تلميذ الخطيب التبريزي، وقد امتدحه العماد الأصبهاني، وذكره الدكتور شوقي ضيف في كتاب الفن ومذاهبه في النثر العربي، ضمن فصل التصنع والتعقيد.
وفي القرن ذاته، نطالع مقامات الطبيب النصراني أبي العباس يحيى بن سعيد بن ماري البصري (ت 589هـ)، وبتعبير ياقوت الحموي في معجم الأدباء "قد أحسن فيها وأجاد"، ويخالفه الصفدي فيقول "ما أجاد ولا قارب الإجادة".
بطل هذه المقامات أبو عمرو البصري، وراويتها يحيى بن سلام، لكننا نجد راويا آخر مجهول يخبرنا عن حديث ابن سلام، كأن يقول "حدّث يحيى بن سلام قال: …إلخ".
وكتب ابن ماري 60 مقامة، ظهرت فيها ثقافته النصرانية، لذلك سمّاها حاجي خليفة (ت 1067هـ) بالمقامات المسيحية، وتابعه في تلك التسمية من جاء بعده، منها المقامة العراقية، والمقامة المعرّيّة.
ولكونه طبيبا، فقد أدخل ابن ماري شيئا من مهنته في هذه المقامات، وهو بذلك من الأطباء الأدباء، الذين يدخل في عدادهم أنطون تشيخوف، إبراهيم ناجي، يوسف إدريس، محمد المنسي قنديل، أمير تاج السر وغيرهم.
المصدر: الجزيرة
